SudaPan

توجد وظائف شاغرة

0

حسن الجزولي
* قرأت مقالاً جميلاً يتسم بواقعية وتواضع جم للكاتب الصحفي ورجل الأعمال والرأسمالي الوطني الراحل محمد أحمد السلمابي، وهو الذي عرفت عنه عصاميته وبناء ثروته “قشة قشة” بهذه العصامية، وكان معتداً بذلك، حيث أفحم أحد الصحفيين (المتنطعين) الذي هاجمه فىمحاولةمنه،لتحقيرهوالتقليلمنشأنهونعته بأنه لم يكن في بداية حياته سوى (صبي قهوة)!، فبماذا رد عليه السلمابي؟!:ـ
* قال له بهدوء خلال عموده اليومي المقروء بعنوان (كلمة ونصف) والذي كان يعالج فيه قضايا الناس بإسلوب ساخر وناقد وتنويري أخاذ :ـ ( لقد أخطأت، فأني لم أبدأ صبى مقهى، فتلك مكانة لمأبلغها اٍلا بعد عناء ومشقة، فقد بدأت حياتي العملية، مساعداً فى لوري ثم عملت جرسونا،ً في مطعم بلدي، ثم بعد ذلك تدرجت، لأكون صبى مقهى!.
* وكتب مرة في إحدى تلك الموضوعات التي يعالج فيها قضايا الناس قائلاً : (يتخرج الطالب وأمله الوحيد أن يصير موظفاً، ابن المزارع الذي يتخرج من المدرسة الوسطى يرى من العيب أن يعمل في الزراعة مع والده ، ويظل عاطلاً الشهور ربما السنين، باحثاً عن وظيفة مهما صغرت.
وابن الحلاق الذي وصل التعليم الثانوي يأنف أن يشتغل حلاقاً، ابن النجار، أو ابن البناء، وبائع اللبن أو الخضار كلهم لايبتغي عن الوظيفة بديلا ، همه أن يسير أو يتسكع في بدلة وجزمة لامعة،ويحلم أن يجلس على مكتب في مصلحة من المصالح، بينما لو اتجه لعمل والده واستفاد من علمه وفكره في تطويره وتنسيقه لاستفاد وأفاد لو فكر في عمل قديم جدد فيه قليلا، مثل فتح ركن صغير يحمص فيه الفول السوداني ويلفه نظيفاً في ورق سلوفان ويبيعه للراغبين وما أكثرهم، لكسب من ذلك أكثر مماتدره عليه الوظيفة التي يحفى في سبيلها).
* وتحضرنا بهذه المناسبة التي نتناول فيها جوانب من سيرة العصامي الصحفي محمد أحمد السلمابي، مؤانسة ثقافية قدمتنا فيها جالية سودانية تعيش بإحدى دول الشتات واللجؤء السياسي، وضمن سؤال وجه لنا حول طبيعة الأعمال التي اشتغلنا بها في حياتنا بالملاجئ السياسية، تناولنا تجاربنا المتواضعة ومعنا بعض من الذين لا يستنكفون القيام بالأعمال الهامشية غض النظر عن الشهادات الأكاديمية التي يحملونها، فعددنا لهم بعضها كغسيل الأواني والأطباق بالمطاعم الايطالية الكبيرة ونظافة المدارس وفصولها وغسل عربات السكة حديد والحافلات الكبيرة وجني الفواكه من المزارع في فصول الصيف وعمال شحن وتفريغ في المخازن التجارية الكبيرة (شيالين)، ذكرنا كل ذلك قبل أن نحدثهم عن الوظائف الأخرى التي تحصلنا عليها في تخصصاتنا ( في المجال الصحفي ومساعدون لأمناء مكتبات بكليات طلابية ومراسلون إعلاميون لقنوات بث فضائي)!.
* وقد أسهبنا في ضرورة الابتعاد عن أمراض البرجوازية الصغيرة الملوثة بأدران ما يسمونه (البريستيدج) في عدم القيام بمثل هذه الأعمال الهامشية أو في غالب الأحيان عند الاضطرار لتأديتها يصيب الخجل هؤلاء المعنيون فيتخفونولا يعلنون في غالب الأحايين عن وظائفهم هذه!.
* علماً بأننا اكتشفنا أن مجرد استصحابها كمعلومة عند كتابة الـ CV تبعك فهي تساعد في منحك نقاطاً تنافسية، كونك لا تستنكف العمل الشريف أياً كان ولا تتعالى على قيمة العمل نفسه كوظيفةإنسانية خدمة للمجتمع الذي تعيش فيه!. وهو ما جربناه وساهم في منحنا وظائف نافسنا فيها أهل البلد المعني أنفسهم من الذين نعيش بينهم!.
* كل هذا ساهم في تشجيع أولئك المستمعين لمؤانستنا من السودانيين الذين استطعنا التقليل من (ترددهم) لكي يكشفوا عن الوظائف التي أدوها من قبل وإبداء استعدادهم بألا يترددوا في تضمين هذه الوظائف الهامشية التي أدوها ضمن سيرتهم الذاتية عند البحث عن وظائف لهم في تخصصاتهم!. وجلهم كانوا موظفين مرموقين بالسودان وضباط نظاميين وإعلاميين ومعلمين وتجاراً أزاحهم (تجار الانقاذ الأسود) عن سوق الله أكبر!.
* لقد كانت مؤانسة مرحة وخفيفة الظل، عندما بدأت الغالبية تتحدث عن تلك الوظائف الهامشية التي لم تكن معلومة لدى الأصدقاء والمعارف، وكانت أظرف تلك (الاعترافات) عندما ذكرت مهندسة معمارية بأنها كانت قد عملت لفترة طويلة في عربة جمع قمامة تابعة لبلدية المنطقة التي تعيش فيها!، وأشار آخر بأنه عمل (مكوجي) لدى فندق صغير بالحي الذي يعيش فيه!.
* وتحضرنا طرفة واقعية لأحد الآباء الذين كانوا يعملون بأحد قطاعات البترول في السودان قبل أن يحال للصالح العام فلجأ للعيش بأمريكا، وهناك تحصل على إحدى الوظائف كعامل بمحطة بنزين، وعندما اتصلت به إحدى بناته من السودان مستفسرة عن طبيعة الوظيفة التي تحصل عليها، تردد قليلاً قبل أن يجيبها بأنه يعمل (موظف في الهيئة العامة للبترول)!، كما كانت أظرف أمثلة التخفي أن أخصائية تمريض عالي تحصلت على وظيفة غاسلة أطباق بأحدى مطاعم مستشفيات المدينة،وعندما استفسرهاالأصدقاء عن طبيعة عملها الجديد،، ترددت قبل أن تفيدهم بأنه تم استيعابها في وظيفة بقسم (غسيل الكلى بالمستشفى)!.
*لا تستنكفوا الوظائف والمهن الهامشية ،، فهي للأشخاص الأسوياء الذين يتصالحون مع أنفسهم ومجتمعاتهم!.
اليوم التالى

Leave A Reply

Your email address will not be published.