SudaPan

اعترافات ومبررات ..”الكيري” لحوم خارج القانون تهدد صحة السودانيين وتؤرق السلطات

0

يُعرف الشعب السوداني بعشقه الكبير للحوم، إلى درجة الإفراط في تناوله لها، عشقاً ربما قتل، متجاوزاً كل المخاطر والأضرار الصحية نتيجة انتشار تجارة اللحوم الحمراء (الكيري)، وهو المصطلح السوداني الحصري لتسمية اللحوم المذبوحة خارج المسالخ، وباتت مفردة الـ”كيري” ترادف في معناها لدى السودانيين معاني سلبية، أبرزها “الفوضى” تنسحب على كل فعل أو سلوك يتم خارج أسوار الانضباط العام، فعندما يقال إن هذا الأمر تم “كيري”، فالمقصود أنه جرى خارج سياق أي ضوابط أو قوانين، فقط بناء على تقديرات ورغبة شخصية، من دون النظر إلى أية تبعات أخرى، فالسائق “كيري” مثلاً هو الذي يقود سيارة من دون رخصة، وفق مدلول المصطلح. شغف السودانيين باللحوم يقابله انتشار كبير لمحال بيع اللحوم “الكيري”، في معظم متاجر اللحوم التقليدية والحديثة، وفي عدد كبير من المطاعم ومحال الشواء الفوري، وهي لحوم غير مطابقة للاشتراطات الصحية، كونها مذبوحة خارج المسالخ الرسمية من دون اتباع الإجراءات الصحية المعتمدة. انتشار الكيري ساعد تعاطي المواطنين من اللحوم الكيري في انتشار الظاهرة، وتمددها أكثر على الرغم من أنف نصوص قوانين تفتيش اللحوم التي تحظر ذبح لحوم الاستهلاك الغذائي خارج المسالخ، إذ لا يزال الكيري يجد إقبالاً على الرغم من الارتفاع الجنوني للأسعار الذي خلّفته الأزمة الاقتصادية الماثلة، لا سيما في المناطق الطرفية والأرياف. كما تعوّد السودانيون في كل مناسباتهم الاجتماعية والدينية، كالأعياد والاحتفالات التعامل مع ذبح الحيوانات داخل المنازل على سبيل العادة، من دون اعتبار للقوانين التي تحظر الذبح خارج المسالخ، سواء كان لأغراض عائلية أو تجارية في ظروف صحية غير موثوقة أو معتمدة من جهات الاختصاص، على الرغم من المخاطر التي تحيط بها. وفي جولة ميدانية لمصادر مطلعة ببعض المناطق، رصدت عدداً من حالات الذبح الكيري لأبقار وضأن بغرض عرض لحومها للبيع بواسطة بعض متاجر اللحوم الصغيرة والكبيرة أيضاً، في أم درمان وبحري شرق النيل. يقرّ أحد تجار اللحوم الكيري، فضّل عدم ذكر اسمه، بقيامه بعمليات الذبح داخل حوش (أرض فناء مسوّرة) ملاصق لمتجره، لكنه يبرر تجاوزه القانوني بأنه بغرض تفادي تكلفة الترحيل ورسوم المسالخ العالية التي لا تقابلها خدمات ملموسة. ودافع الرجل عن فعلته بأنه يذبح حيوانات معافاة، ويبيع لحوماً طازجة وجيدة، كما أنه لا يذبح الإناث، ولم يحدث أن اشتكى أي من زبائنه من شيء مرض أو خلافه، أو من تردّي جودة اللحوم التي يبيعها. اعترافات ومبررات يعترف جزار آخر هو م. أ. ع، أنه سبق وأن ضبط متلبساً بالذبح كيري بواسطة لجان خدمات الحي الذي يعمل فيه، غير أن الأمر تمت تسويته ودّياً، مبيّناً أن هناك حملات تفتيشية تتم فعلاً لكنها متقطعة، وهو ما يشجع الجزارين على الذبح الكيري في الصباح الباكر وقبل شروق الشمس استباقاً لأي حملات. في السياق، يحذر سمير عبد الرسول، الأمين العام للمجلس البيطري السوداني، من أن عملية الذبح الكيري تنطوي على مخاطر ومشكلات صحية على الإنسان والمجتمع كله، لأن عدم الكشف الصحي البيطري على الحيوانات قبل الذبح وعلى لحومها بعد الذبح، يعرّض الإنسان لأمراض مشتركة عدة تنتقل من الحيوان إلى الإنسان، سواء كانت أمراضاً بكتيرية أو فيروسية أو طفيلية، ومنها مرض السل والأكياس العدارية والديدان الشريطية والأمراض الجلدية وغيرها، فضلاً عن أن الكشف الصحي يقي الإنسان من مخاطر متبقيات الأدوية البيطرية في اللحوم والملوثات الأخرى. ويؤكد عبد الرسول، الدور المهم لمهنة الطب البيطري والأطباء البيطريين في حماية الصحة العامة من خطر تلك الأمراض المشتركة، وحماية المستهلكين عبر التأكد من سلامة وصحة منتجات الحيوان التي من شأنها أن تتسبب في مخاطر صحية وخيمة وربما وبائية، لدرجة انطلاق المقولة البيطرية، “أن تفتح مسلخاً تطبق فيه الإجراءات الصحية البيطرية فأنت قد تغلق مستشفى”. السبيل للحوم الآمنة يوضح أمين المجلس البيطري أن المسالخ ومساطب الذبح المصرح بها من قبل السلطة البيطرية تلعب الدور الأول في ضمان توفير منتجات صحية وآمنة للمستهلك، ليس فقط من خلال الكشف الصحي البيطري على الحيوانات ولحومها، بل يمتد الأمر إلى حماية البيئة بالتخلص الصحي من مخلفات الذبح، مشيراً إلى أن الاهتمام بصحة وسلامة اللحوم، يشمل أيضاً التأكد من جودة تصميم المسالخ والمواد المستخدمة في البناء والمعدات والأجهزة المستعملة في الذبح والمياه كذلك، بما يضمن أن جميع المراحل تتم بصورة تسمح بحصول المستهلك على لحوم صحية ونظيفة وآمنة وتراعي التخلص الصحي من مخلفات الذبائح. ويحذر عبد الرسول من أن الذبح الكيري هو في الواقع تجاوز لكل التحوطات الصحية، كما قد يؤدي إلى ظاهرة خلط اللحوم بلحوم حيوانات أخرى غير حلال وغير مصرح باستخدامها، كاشفاً عن أنه إضافة إلى المخاطر الصحية والمهددات البيئية التي تنتج من الذبح الكيري، فإن اللحوم وسط جيد لنمو البكتيريا إذا لم تراعَ الإجراءات الصحية البيطرية في نقلها وحفظها وتداولها وعرضها للبيع، ما يستدعي التعامل معها بحذر وطريقة صحية متكاملة الأركان. فضلاً عن ذلك، فإن الذبح الكيري، بحسب عبد الرسول، فيه تغييب لبيانات إحصائية مطلوبة حول الأعداد المذبوحة لمعرفة الحجم الحقيقي للاستهلاك المحلي، وبيانات حالات الأمراض المكتشفة أثناء الكشف الحي قبل الذبح وبيانات مسببات الأمراض التي جرى رصدها في المسالخ عند إجراءات الكشف الصحي للحوم بعد الذبح وغيرها من البيانات التي تعتمد عليها وزارة الثروة الحيوانية الاتحادية في سياساتها وخططها وبرامجها لمكافحة أمراض الحيوان والسيطرة على الأمراض المشتركة وتنمية قطاع الثروة الحيوانية. تحديث القوانين يستطرد، “كذلك يفتح الكيري باباً مغلقاً وممنوعاً، وهو ذبح الإناث كونها أقل سعراً، وهي حية وتزيد من ربح التاجر، وهو أمر غير مسموح به قانوناً، كونه يشكّل خطراً حقيقياً على مستقبل تكاثر ونمو الثروة الحيوانية في البلاد”. يستبعد عبد الرسول أن يكون هناك فرق كبير بين سعر اللحوم المذبوحة خارج القانون، وتلك المذبوحة داخل المسالخ، لأن رسوم المسالخ ليست بالدرجة التي تحدث فرقاً كبيراً في السعر باستثناء عملية تكلفة الترحيل، وهو فرق لا يستحق التضحية الكبيرة من أجله بصحة المواطن المستهلك وعائلته بل وكل المجتمع وبيئته. وأشار إلى أهمية تحديث قانون تفتيش اللحوم الذي ظل سارياً منذ عام 1974 بالتأكيد على سلطة وزارة الثروة الحيوانية الاتحادية تشريعاً وتخطيطاً وإشرافاً على التنظيم والتفتيش والرقابة على اللحوم وأهمية دور الأطباء البيطريين في إدارة المسالخ، لافتاً إلى أن وزارة الثروة الحيوانية قد دفعت بالفعل بحزمة من الإصلاحات القانونية في هذا الصدد إلى وزارة العدل حتى تتماشى مع منظومة المعايير والاشتراطات العالمية لصحة الحيوان ومنتجاته، ومن أهمها المعايير والاشتراطات الصادرة عن المنظمة العالمية لصحة الحيوان (OIE) . تحذيرات ودعوات من ناحيتها، دعت الدكتورة أحلام الصائغ، المتخصصة الدولية المعتمدة في سلامة الغذاء وأنظمة الجودة، والمديرة السابقة لسلخانة أم درمان، المواطن السوداني إلى أهمية اتباع الإجراء الصحيح عند الذبح في المناسبات الاجتماعية الخاصة والدينية، باللجوء إلى المسالخ المعتمدة لفحص ذبائحهم من أجل المحافظة على صحتهم، كما دعت المسالخ إلى تقديم أسعار تشجيعية من أجل مواطن سليم ومعافى، حتى تتيح لكل من يسعى إلى الحصول على لحوم مأمونة صحياً الفرصة. وحذرت الصائغ من مخاطر الذبح الكيري على الصحة العامة، بخاصة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان المنقولة عبر اللحوم المصابة، شارحةً أن مصطلح الكيري السوداني يشير بوضوح إلى الذبح غير المقنن، الذي لا يتم داخل المسالخ تحت الإشراف الصحي البيطري، بوصفها صاحبة الدور الأهم في حماية صحة الإنسان والحيوان معاً، ومحمّلة المسؤولية الأكبر في مكافحة هذه الظاهرة المزمنة للسلطات البيطرية المختصة والمساعدة لها، عبر تنظيم حملات رقابية وتفتيشية دورية قوية تستهدف أماكن عرض وبيع تلك اللحوم وإبادتها، مهما كانت المبررات الواهية التي يسوقها تجار لحوم الكيري للدفاع عن أنفسهم كالرسوم وغيرها. خطورة ودعوات بحسب يوسف محمد عبد الرازق، الاختصاصي والمدير السابق للمحاجر البيطرية، هناك أكثر من 40 نوعاً من الأمراض يرتبط انتقالها باللحوم، و40 نوعاً أخرى تنقلها الألبان، مما يؤكد الخطورة الجسيمة للتعامل مع المنتجات الحيوانية من دون التحوطات الصحية البيطرية اللازمة من خلال الفحص المسبق للتأكد من سلامتها. ويطالب عبد الرازق بضرورة إجراء عمل وقائي مشترك بين وزارتي الصحة والثروة الحيوانية بإسهام الأولى في تحديث المسالخ بهدف تقليل نسبة الأمراض وسط المجتمع، ويدعو في الوقت ذاته، إلى ضرورة استحداث صندوق لتعويض تجار اللحوم عما يمكن أن يفقدوه نتيجة احتمال الإعدام جزئي أو كلي من لحوم حيواناتهم داخل المسالخ، باعتباره أحد أسباب إحجامهم عن اللجوء إلى المسالخ، مما يخفف مخاوفهم من الخسارة، بالتالي يسهم في تقليل ظاهرة الكيري. من ناحيتها، دعت جمعية حماية المستهلك السودانية إلى مراجعة شاملة لتطبيق الحد الأدنى من المواصفات المطلوبة في المسالخ ومساطب الذبح، إلى جانب المتابعة اللصيقة بتفعيل الدور الرقابي على صحة اللحوم. ويعزو ظلال ميرغني، رئيس لجنة الثروة الحيوانية في الجمعية، انتشار ظاهرة الكيري إلى محدودية عدد المسالخ ذات السعة الكبيرة، التي يبلغ عددها 4 فقط بالبلاد، بعضها من دون المواصفات المطلوبة، منادياً بتفعيل دور نيابة المستهلك والرقابة المجتمعية على مستوى الأحياء مع حملات لتوعية المواطنين بخطورة الكيري الذي يمثل تلاعباً خطيراً بالصحة العامة. ويكشف ميرغني عن أن معظم المسالخ ومساطب الذبيح، أصبحت تتوسط الأحياء بعد أن كانت في الأطراف، نتيجة للتمدد والنمو العمراني، مما يشكل مهدداً صحياً وبيئياً في ظل غياب معالجات مخلفات الذبح، مشدداً على ضرورة حسم مسألة تشتت المسؤولية عن المسالخ، وتبعيتها بعودتها إلى وزارة الثروة الحيوانية كجهة مختصة. وفي الشهر الماضي، وقّع السودان اتفاقيات تفاهم مع دولة تركيا تتضمن زيارة وفد من المتخصصين للوقوف على وضع المسالخ في البلاد وتحديد حاجات تطويرها بإدخال التقنيات الحديثة. وقال وزير الثروة الحيوانية والسمكية حافظ إبراهيم، في مؤتمر صحافي، عقب زيارته إلى تركيا، أن السودان يسعى إلى الاستفادة من التجربة التركية في مجال المسالخ ذات المواصفات الحديثة، معلناً عن إنشاء 4 مسالخ جديدة وحديثة بمناطق الإنتاج في كل من شمال كردفان وجنوب دارفور والبحر الأحمر وفي العاصمة الخرطوم.

كوش نيوز

Leave A Reply

Your email address will not be published.